عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

113

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

العقائد الشرقية في كتابه « فهم الاسلام » في الحديث عن الرسول العظيم : « ويصح أن يقال أن روح النبي قد جبلت من النبل والصفاء ، وأولهما يجمع القوة والكرم ، وثانيهما يجمع القناعة والاستقامة . وقد كان مسلك النبي في طعامه ومنامه مسلك القانع القويم ، ومسلكه مع النساء مسلك الكرم والمروءة « 1 » » . بركته ( صلى اللّه عليه وسلم ) : لقد تجلت هذه الصفات منذ فتوته ( ص ) وكانت إحدى علامات النبوة كان ( ص ) فتى مباركا لا كالفتيان ، لقد خصه اللّه بأكرم الخصال فرباه بعنايته ورعاه برعايته ، فقال سبحانه : « أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ، وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى » « 2 » . لقد نشأ النبي الكريم في بيت عمه أبي طالب فعوّضه بحنانه عطف الأب ومسح عنه برفق معاملته جراح اليتيم . فكان يحوطه بكرمه ويغمره بحبه ويفضله على أبنائه ويخصه بالطعام دونهم لما وجد فيه من الخير والبركة . وقد أسند الواقدي وغيره عن أبي عباس قال : « وكان أبو طالب يحب رسول اللّه ( ص ) حبا شديدا لا يحبه ولده ، كان لا ينام إلا إلى جنبه ، ويخرج فيخرج معه ، وصبّ به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشيء قط ، قال وكان أبو طالب يخصه بالطعام وكان إذا أكل عيال أبو طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا ، وإذا أكل معهم رسول اللّه ( ص ) شبعوا ، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغذّيهم قال : كما أنتم - أي لا تأكلوا - حتى يأتي ولدي محمد . فيأتي رسول اللّه ( ص ) فيأكل معهم . فكانوا يفضلون من طعامهم ، وإذا كان لبنا شرب أوّلهم ثم يشربون فيردون كلّهم من قعب إناء واحد فيقول أبو طالب : « انك يا محمد لمبارك « 3 » » . لقد باركه اللّه وهو صبي لم يبلغ بعد الرسالة وأفاض عليه اليمن والبركة بعد الدعوة . فكان الناس يلجؤون اليه . ويدعونه إلى طعامهم ليبارك اللّه لهم فيه . فقد روى عن ابن إسحاق قال : « ان رسول اللّه ( ص ) أتي بطعام خبز ولحم فقال : « ناولني الذراع » فنوول ذراعا فأكله ، ثم قال : « وناولني الذراع » . فنوول ذراعا فأكله ، ثم قال : « ناولني الذراع » فقال يا رسول اللّه انما هما ذراعان فقال ( ص ) : « وأبيك لو سكّت ما زلت أناول منها ذراعا ما دعوت به » .

--> ( 1 ) الاسلام دعوة عالمية : عباس محمد العقاد ، ص 115 . ( 2 ) الآية من سورة الضحى ، 6 مكية . ( 3 ) البداية : ج 2 - ص 282 ، شرح المواهب ج 1 - ص 189 .